المروانى يكشف تهافت تقرير “الحسابات” ويطرح رؤيته للتقرير

أخبرنى البعض بحملة تعرضت لها في الأيام الأخيرة على شبكات التواصل إثر نشر تقارير محكمة الحسابات، وبما أنى لست حاضرا على شبكات التواصل وإنما أكتفى بمتابعة أخبار البلد من خلال بعض المواقع الإخبارية، فإنه تفوتنى بعض السجالات وبالتالي لم يتسن لى أن “أدلي بدلوى” إلا بشكل متأخر نسبيا.
(1)
أود قبل كل شيء أن أنير الرأي العام بشأن ما ورد عن شركة المحروقات في تقرير محكمة الحسابات لسنوات 2007 و2008 و2009 ، والمؤرخ ب يونيو 2014، وأن أرد فى نفس الوقت على ما جاء فى تدوينات للبعض حيث قال أحدهم، -متجنيا في حقى، سامحه الله- أننى “سرقت نصف مليون برميل لم تظهر في الصادرات ولا في المخازن” مضيفا ان ذلك “قيمة 32 مليون دولار من مال الشعب وثرواته”…
وقد أحال المدون إلى ما ورد في التقرير المذكور تحت عنوان : ” فرق ملاحظ على مستوى الإنتاج النفطي”، أن كميات الإنتاج على مدى ثلاث سنوات 2006 و2007 و 2008 (والتي تم احتسابها بتجميع أرقام الإنتاج اليومية التى يتم قياسها بجهاز خاص)، عند المقارنة بينها وبين الكمية المُصدرة في نفس الفترة بعد أن أضيفت إليها الكمية المتبقية في أحواض التخزين في المحطة بتاريخ 31 دجنبر 2008 تُظهر فرقا يصل إلى حوالي نصف مليون برميل (بشكل تراكمي على مدى السنوات الثلاث). غير أن التقرير لم يتوقف عند هذا الحد بل مضى فى تقدير الفارق على أساس سعر 60 دولارا للبرميل كما لو أنه نفط، بقيمة تزيد على 32 مليون دولار !
والعجيب أننى كنت أجبتُ على ذلك فى حينه وبينتُ للمحكمة أن ذلك خلط بين الكمية الصافية من النفط (الجاهز للتصدير) وبين الكمية الخام التى لا تزال تحوى نسبة من الرواسب وبقايا مياه الآبار وغير ذلك من الشوائب، وأعربت المحكمة حينها عن فهمها للتوضيح، حيث تواصلتُ معهم وزودتهم بالشروح والأدلة بل وجئتهم من فرنسا وطلبت الاجتماع بهم لشرح الردود أمام جميع أعضاء الغرفة. وقد تعجب البعض من الخطوة لأنها لم تكن معهودة على ما يبدو، ولكن رئيس المحكمة آنذاك قبل عقد جلسة للغرفة المعنية للاستماع لدفاعى. وعلى إثره عبرت لى الغرفة آنذاك عن فهمها للتوضيحات بما يرفع ما كان حاصلا من سوء فهم.
وإنه من الغريب أن يتم الإبقاء على مثل هذا “المأخذ” دون اعتبار للرد والتوضيحات التى قدمتُها في حينها كتابيا وشفهيا وأبانت المحكمة عن فهمها آنذاك… وإذا أحسنا الظن فلعل خطأ ما حصل عند إعداد التقرير السنوي (خاصة أن إصداره كما ورد في صفحة الغلاف يرجع ليونيو 2014 ، في حين انتهى التفتيش فى يوليو 2009)… فلعله تم إدراج النسخة “المؤقتة” من الملاحظات دون الرجوع إلى الملف النهائي.
وسأقدم في ما يلى جملة من التوضيحات ليتبين القارئ بنفسه:
أولا- هناك خلط بين القياس الأولي لكمية النفط مع الشوائب وبقايا مياه الآبار وبين “الكمية الصافية”.
فأرقام الإنتاج اليومية، أرقام “خام” إذ هي قياس تقريبي لكميات لا تزال مختلطة بنسبة متبقية من مياه الآبار ومن رواسب الأتربة وغيرها من الشوائب التى تبقى ممتزجة مع النفط المستخرج، كما هو معروف عند أهل المجال. وستنزل تلك الرواسب والمياه (التى يرمز لها المختصون بBS&W)، وتنعزل تدريجيا مع مرور الوقت، حيث تستقر أسفل من الزيت فى أحواض التخزين على متن المحطة… زد على ذلك أنه تحصل نسبة من التبخر وظواهرُ طيبعية أخرى تنجم عنها تغييرات في مقاييس الأحجام خاصة إذا أعيد قياسها فى ظروف أخرى تغيرت فيها الخصائص الفيزيائية المحيطة بالسوائل كمثل درجات الحرارة ومستويات الضغط. فلا ننس أن السوائل منذ خروجها من الآبار تعرف تغيرات فى درجة الحرارة ومستويات الضغط إلى أن تنتهى إلى ظروف مستقرة بعد التخزين فى أحواض المحطة فترة من الزمن. تلك العوامل مجتمعة هي ما يفسر الفرق الملاحظ فى الأحجام وهو فى الحالات العادية يبقى في حدود 2 إلى 2 ونصف بالمائة على أقصى تقدير.
غير أن ما اعتمده التقرير بعد تجميع الأرقام اليومية الخام (وهي، كما قلنا، أحجام لا تزال تحوى الرواسب وبقايا مياه الآبار والأبخرة وغير ذلك من الشوائب) و المضي فى تقديمها كأنها إنتاج سنوي صاف قابل للبيع قد تم فقدانه، هو خطأ كبير وسوء فهم، إذ من البديهي أن ما هو قابل للبيع هو كمية الإنتاج الصافى فقط دون الرواسب والمياه والشوائب، أي بعد أن تُستكمل عمليات الإزالة.
بعبارة أخرى، لدينا تقرير – وبالرغم من الشروح التى تم تقديمها- يحكم بأن تلك الرواسب ومياه الآبار الملوثة ومختلف الشوائب، لها نفس قيمة النفط ويقوم باحتساب قيمتها بسعر برميل النفط ليتوصل إلى مبلغ خيالي يصل إلى 32 مليون دولار – أكرر أننى أفضل إحسان الظن وأفترض أن خطأ ما حصل لدى إدماج القسم المتعلق بشركة المحروقات فى التقرير السنوي للمحكمة (خاصة لطول المدة – حيث تفصل 5 سنوات بين تاريخ نهاية التفتيش وبين إنجاز التقرير الذى بين أيدينا ) وإلا فإن الأمر يكون تدليسا فجا ومثيرا للسخرية…
يبقى أن نتساءل لماذا كانت الشركة تنشر الأرقام اليومية ما دامت ليست سوى تقدير ولا تمثل بدقة الإنتاج الصافى القابل للبيع؟ والجواب أن المقصد كان هو نشر المعلومات وتقديرات الإنتاج اليومية حين ورودها، فورا ودون تأخير، لأن ذلك في حد ذاته من شروط الشفافية ومقوماتها، كما يُمَكن من المتابعة السلسة لبيانات المشغل الأجنبي والمقارنة لدى الحاجة طبعا مع الأخذ في الاعتبار أسباب الفروق المذكورة (من مياه وشوائب، وظروف القياس من حرارة وضغط، الخ).
ثانيا-

ملاحظات التقرير هذه، هي فى نهاية المطاف متصلة بعمليات الإنتاج والتخزين والتصدير لحقل شنقيط، وهي كلها عمليات تُديرها وتنفذها الشركة الدولية العاملة (وودسايد ثم بتروناس)، بالطبع مع متابعة الشركة الوطنية. ومن الناحية القانونية، وحدها بيانات الإنتاج فى التقارير المرسلة إلى الوزارة من قبل المشغل (أي الشركة الدولية العاملة)، على النحو المنصوص عليه في المادة 8.5 من عقد تقاسم الإنتاج آنذاك، هي الملزمة قانونا للمُشغل، أما التقارير اليومية للشركة الوطنية التي تُصدرها إدارة العمليات فهي من أجل المتابعة والمقارنة (طبعا مع الأخذ في الاعتبار أسباب الفروق المذكورة من مياه وشوائب، وظرفية القياس كدرجة الحرارة، الخ).
وفيما يخص التصدير فإنه يتم وجوبا بحضور ممثلى الوزارة وحضور الجمارك على متن المحطة العائمة. والتسويق كما التصدير يتمان بصورة مشتركة بين جميع الشركاء (لكافة الكميات أي نصيب الشركات ونصيب الدولة معا) وهو خيار يعنى أن الطرف الموريتانى لا يستلم حصته عينيا (أي لا يستلم براميل نفط) وإنما يستلمها نقدا بعد البيع. ويتم التسويق المشترك عن طريق وسيط تجاري (اتريدر) متعاقد عليه باتفاق بين الشركات وبين الوزارة. والاشراف على التسويق ومتابعة الأسعار والمبيعات تتم فى إطار لجنة دورية يرأسها الوزير ويحضرها الشركاء بما فيهم الشركة الوطنية.
وحتى لو فرضنا جدلا أنه كان هنالك سعي “لابتلاع نصف مليون برميل” على حد تعبير المدون – عفا الله عنه- فإن ذلك يتطلب أن يكون لدى الشركة الوطنية إمكانية استلام الكميات بشكل مباشر (وهو ممتنع كما سلف) ومنشآت مستقلة للتخزين وأن تأتى “حاملة نفط” تابعة للشركة الوطنية لتنفيذ مثل هذا الاختلاس! لنطمئن من هذا الجانب فموريتانيا ليست نيجيريا حيث لشركتهم الوطنية سلطات واسعة ووسائل مستقلة للتخزين وتقوم بالتصدير المباشر، ما يفتح المجال لعمليات مشبوهة إذا ما غابت الرقابة.
ثالثا – عودة إلى السياق- تفتيشا وتقريرا

تم اطلاق هذا التفتيش مباشرة بعد مغادرتى للشركة، وتم إجراءه في غيابى (ودون علم منى حتى أشرف على نهايته بعد أشهر عديدة)، وقد ذكر لى أحد المطلعين آنذاك أن ثمت “خلفية كيدية” على حد تعبيره.. وأن هناك رغبة من “جهة عليا” لتشكيل ملف ضدى ولو تطلب ذلك تدليسا فجا أو تلفيقا. وللأسف فإن مؤشرات عديدة بدت كأنها تعضد ذلك، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار عقلية رأس النظام آنذاك، والذى انقلب لتوه على رئيس منتخب…
بعد أشهر،علمتُ بالتفتيش. ولما وصلتنى “الملاحظات المؤقتة” (حوالي يونيو 2009) أجبت عليها كتابيا وطلبت من محكمة الحسابات أن تستمع إلي لأشرح لهم بشكل مباشر، عسى أن أحظى باستماع الغرفة المختصة بحضور أكبر عدد ممكن من أعضائها، وجئت خصيصا من باريس لأجل ذلك، وكان ذلك حوالي يوليو 2009. ما فهمتُه إثر جلسة الاستماع هو اقتناع المحكمة بالردود، وقد تم على إثرها إغلاق الملف.
وبودى هنا، كشهادة بعد جلسة الاستماع تلك، أن أنوه بالطابع المهني والمُنصف للغرفة المختصة فى محكمة الحسابات (بصفتها الجماعية رئاسةً وقضاة)، إذ هو الانطباع الذى خرجت به آنذاك…
أما التقرير المنشور حاليا ولو أنه تم وصفه ب “التقرير السنوي”، فهو ليس ب”تقرير سنوي” بالمفهوم الذى تنص عليه المادة 65 من القانون النظامي لمحكمة الحسابات، كما نبه إلى ذلك أحد المحامين البارزين. إذ أن التقرير السنوي المتعلق بالرقابة لسنة 2009 يُفترض أن يصدر فى 2010 ، بينما التقرير الذى لدينا إنما تم تجميعه فى تاريخ متأخر جدا وضم ثلاث سنوات، ويحمل تاريخ يونيو 2014 ، أي 5 سنوات بعد إغلاق الملف الذى نتحدث عنه.
والغريب أنه في المحتوى المخصص لشركة المحروقات جاء التقرير مبتورا فلم يأخذ بعين الاعتبار الأجوبة وما فيها من توضيحات وتصحيح، ولا النتائج المترتبة على جلسة الاستماع التي عقدتها الغرفة المختصة آنذاك وكانت إيجابية كما ذكرت…فلا بد أنه قد حدث خطأ ما ولم يأخذ محرر التقرير (أو جامعه) بالخلاصات النهائية… لئلا نضطر للقول أن ثمت تدليسا فجا أو -حاشاكم- تلفيقا سخيفا…
وفى الحالة الأخيرة أي إن كان ثمت تجاهل متعمد وبتر للتقرير من التوضيحات والخلاصات النهائية -وهو ما أُفضل استبعاده- فيمكن الحديث عن فضيحة، وإذ ذاك فإن كل ذى عقل وغيرة على قداسة الحقيقة، سيكون له أن يستنكر سخافة التدليس وفجاجة التزييف إذ كيف لشخص سوي (خاصة من هو فى موقع الرقابة والتدقيق) أن يعتبر، وبعد توضيحات أهل الاختصاص، بأن نصف مليون برميل من رواسب الأتربة والمياه الملوثة والشوائب، هي بمثابة نفط مفقود و يقيمها ب 32 مليون دولار على أساس تسعيرة برميل النفط ويعرض الموضوع كأن هذا الفرق خسارة لموريتانيا، وكأنه يخص فقط حصة موريتانيا … خسارة حصرية لا تطال بقية الشركاء !
لعمرى، إن كان ذلك كذلك، فإن من شأنه أن يمثل فضيحة كبرى – غير أنى أفضل مرة أخرى استبعاد هذه الفرضية.
رابعا – نجد التقرير أيضا قد حُشرت فيه حتى أمور تتعلق بعقود سابقة على تأسيس الشركة ومجيئى كمدير لها، على غرار العقد مع “شركة صيانة المنشآت النفطية” التونسية (SMIP). والمفارقة أنى أنا من أوقف تلك العقود ورفضتُ ما تبقى من مطالبات بمبالغ غير مبررة !
وهذا أيضا مما يؤكد الطرح السابق : إما حصول خطإ ما (وهو ما أرجحه)، أو أن التفتيش فعلا كانت وراءه خلفية كيدية.
ما لم يرد فى التقرير هو ان العقود المذكورة هي من إرث الوزارة فى الفترة 2003-2005 والمشروع التابع لها المسمى “مجموعة مشروع شنقيط” ( GPC). و للتذكير، فقد تم تأسيس شركة المحروقات على إثر “مجموعة مشروع شنقيط” وحلت محله وورثت عقوده وحساباته.
فالمآخذ الواردة فى التقرير كانت من مآخذى على تلك العقود، إذ اعترضتُ عليها وأوقفتها، وعلى رأسها العقد مع “شركة صيانة المنشآت النفطية” التونسية (SMIP) .
ويتحدث التقرير عن تمالؤ في العقد مع شركة صيانة المنشئات النفطية دون الإشارة أن ذلك كان في عهد المشروع التابع للوزارة والسابق على تأسيس الشركة، حيث وصلت التكاليف إلى ما يناهز مليوني دولار وبقيت فواتير بمبالغ أخرى يطالبون بتسديدها !
كما جاءت الصياغة مبهمة حيث ترد الإشارة إلى مبالغ كبيرة ك”أتعاب و مكافأة لرئيس مجلس إدارة الشركة” بما قد يوهم القارئ أن الأمر يتعلق برئيس مجلس إدارتنا نحن، في حين يتعلق الأمر برئيس الشركة التونسية وذلك كله قبل تأسيس الشركة الموريتانية للمحروقات…
وقد رفضتُ دفع المستحقات المزعومة التي بقيت الشركة التونسية تطالب بها، وواجهتُ ضغوطا من بعض الوزراء ممن رغب فى تسديد تلك المبالغ بحجة أن شركة smip من دولة صديقة “وموريتانيا تواجه الضغوط من وزارة الخارجية التونسية لمصلحتها”.
نفس الشيء للمآخذ على عقود أخرى أشار إليها التقرير، منها عقد باسم VSAT وعقد مع أستاذة أمريكية كانت تدرس الانجليزيه لأطر المشروع. كلها عقود سابقة لمجيئى. وبخلاصة، لقد أوقفتُ العقود المجحفة ورفضت دفع المبالغ الغير مبررة، حفاظا على المال العام.
خامسا- أيضا ودائما فى مجال المآخذ على بعض الممارسات التى واجهتها الشركة ويوردها التقرير بشكل مُبهم تبدو من خلال عرضها وكأنها مآخذ على تسيير الشركة، يجدر أن نذكر موضوع “التحفظات على التكاليف النفطية” .
يتعلق الأمر بالتكاليف التى تُفصح عنها الشركة العاملة (وودسايد، …) لاسترجاعها من النفط وأيضا لاحتساب الارباح، حيث تقوم الشركة الوطنية بالتدقيق فيها واستعانت فى ذلك بمدقق دولى (دولوات) ورفعنا التحفظات آنذاك إلى الوزارة التى لديها صلاحية الإبلاغ برفض التكاليف المُتحفظ عليها ما لم تقدم الشركة العاملة الاثباتات المطلوبة. وهنا فإن تقرير المحكمة إنما استنسخ التحفظات التى أبرزتها طواقم الشركة آنذاك، غير أنه لم يبرز الدور الذى قامت به SMH ، بإجراء عمليات التدقيق هذه والدفاع عن نتائجها وتنبيه الوزراء المتتاليين بشأن الرهانات المتصلة بذلك. ولم يُنوه بما أسفرت عنه عمليات التدقيق والتحفظات من توفير عشرات الملايين من الدولارات الأمريكية للدولة و SMH حيث لا يمكن للمشغل استرداد التكاليف المُتحفظ عليها مالم يقدم أدلة مقبولة. هنا أيضا، إن عدم الإشارة في التقرير إلى توضيحاتنا، يصب فيما سبق ذكره من احتمال حصول خطإ ما، خاصة بالنظر إلى التجميع المتأخر لهذا التقرير، خمس سنوات بعد نهاية التفتيش… وأرجو دائما أن لا يكون من قبيل التدليس.
صحيح أن محكمة الحسابات آنذاك كانت ضعيفة القدرات ينقصها الكادر المؤهل وتنقصها الموارد، والرجاء أن يكون ذلك تغير تدريجيا، فيما بعد خاصة بعد اكتتاب المزيد من القضاة والمستشارين فى السنوات الأخيرة. ولعل تقاريرها في السنوات الأخيرة صارت أحسن حبكا وأكثر مهنية. والله أعلم.
(2)

بعد الحديث عن تجربتى الشخصية -التى أخشى أن أكون أطلت فيها على القارئ- بودى أن أتناول الآن الجانب الأعم والأهم و أدلى بملاحظات عامة يحسُن استصحابها للتوعية بشأن التفتيش ورقابة التسيير في بلدنا.

أ- ينظر البعض بعين الاتهام وحتى الإدانة للمسير، لمجرد إجراء تفتيش أو إصدار تقرير عن تسيير مؤسسته. والمفروض طبعا أن الرقابة تسرى على كل المؤسسات وأن يتم تفتيشها جميعا بشكل دوري وروتينى ومتجرد من كل الأغراض ما عدا هدف الإصلاح وإرساء قواعد الشفافية ونزاهة التسيير ومتطلبات الحكم الرشيد. ويُفترض أن التقرير السنوي لمحكمة الحسابات يتناول جميع مهام التفتيش التى تم إنجازها فى السنة المنصرمة. ومن الطبيعي أن تتناول التقارير تسيير كل مؤسسة تم تفتيشها، وما ليس طبيعيا هو أن يُستثنى بعض المسيرين ولا نجد أي تقرير عن تسييرهم في مختلف المؤسسات التى تولوا إدارتها خلال عشر سنوات…

ب- من الأساسي أن يكون الوصول إلى التقارير متاحا وأن يتم في وقت قريب وليس سنوات وسنوات بعد انتهاء مهام التفتيش. وإن تعطش الناس وخاصة الشباب للوصول إلى المعطيات والمعلومات وتفاعل المدونين وغضبهم المشروع على ما حصل ويحصل من سوء تسيير وفساد، كل ذلك دلالة على الوعي المتزايد والتطلع الحار للعدالة والإصلاح، وهو بشارة خير لهذا البلد.

ج- ومع ذلك، يجب أن ننتبه إلى ظاهرة من سوء الفهم لمبدإ الرقابة. فالبعض كما حذرنا، كأنه يعتقد أن كل من خضع للتفتيش وبالتالي كل من ورد في التقارير فهو مدان : وذلك هو الرأي العجيب الذى نقلته بعض المواقع الإخبارية عن بعض المدوننين حيث طالب بعضهم (ويبدو أن من بينهم نائب معارض) “بأن كل من ظهر اسمه في تقرير محكمة الحسابات يجب أن يستقيل من أي وظيفة عمومية يزاولها حالاً، وأن يمنع من تقلد أي وظيفة أو تكليف عام في المستقبل” . أقول بل بالعكس، علينا أن ننتبه أن من خدم طوال العشرية من المسيرين ولم يطُله التفتيش فإن ذلك يشكل إفلاتا من الرقابة. وإن أي صفقة كبيرة إذا شابها غموض ولم يطالها التفتيش فإن ذلك يشكل أيضا إفلاتا مقيتا من الرقابة. وهكذا فإن ما لم تتناوله التقارير خلال العشرية ليس أقل أهمية مما تم تناولُه…

د – إن خلاصة أي تفتيش أوعملية رقابية يجب أن تعتمد على شقين : ملاحظات الهيئة الرقابية وردود الدفاع. وكل عملية تفتيش يتم إيقافها قبل الاستماع إلى دفاع المعنيين أو يتم إخراج التقرير مع تجاهل دفاع المسيرين وتوضيحاتهم بحيث يأتي التقرير مبتورا لا يعطى الصورة كاملة، فإن ذلك يشكل اختلالا غير مقبول. وإن هيئات الرقابة لأجدر بالتزام الشفافية وإعطاء القدوة فى الاستقامة والنزاهة.

ه- أخيرا ونظرا لضعف الاستقلالية فإن مهام التفتيش في موريتانيا منها ما كان بأوامر عليا (لغرض في نفس رأس النظام أو جهة متنفذة قريبة منه)، ومنها ما تبرمجه هيئة الرقابة ويُفسح لها المجال لإتمامه ومنها ما تبرمجه ويتم التأثير في عملها أو عرقلته إما ابتداء أو قبل انتهاء المهمة من خلال التأثير في مجريات التفتيش ومحتويات التقرير. وتلك اختلالات كبيرة ينبغي العمل على علاجها.

ولا ننسى أن من أسوإ أشكال الفساد وأشدها إيغالا في الفجور، هو التلاعب بالرقابة والتفتيش وإفساد عمل هيئاته المختصة واستخدامها كأداة أو سوط سلطوي، لأن ذلك هو ما يخفى الفساد الحقيقى ويشكل تغطية على ما يقترفه “الآمر الأكبر” ومقربوه من نهب فعلي، الذى هو بالذات ما يطالب المواطنون بالتحقيق فيه والمساءلة القانونية بشأنه. ولذا عليهم أن يتحلوا باليقظة والوعي لئلا يتم لفت أنظارهم وحجب الحقيقة عنهم بسُحب من الدخان…
لأجل ذلك كله، أقول للجميع لا تقعوا فى فخ من يتسرعون فى توزيع الشتائم والإساءات وألوان القذف والتجريح، فلقد تم حرمانكم من هذه التقارير وهذه المعطيات عشر سنوات، فهلا صبرتم أياما لتُفرزوا منها الغث من السمين، عسى أن “تبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة

يرجى الإعجاب والمشاركة :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *