وباء كورونا : درس في الدين والأخلاق والإنسانية / سيد الأمين ولد باب

بعد إعادة الاعتبار لصديقي القديم الكومبيوتر ، وبعد التفرغ لمتابعة الأخبار والمستجدات حول فيروس كورونا ، أرشدني هذا الصديق الملازم الذي لا يخشي القرب ولا يضجر من رذاذ العطاس ولا يخاف من كورونا في هذه الراحة القسرية، لكتابة ما استخلصت في زمن كورونا من دروس لعل الإعلام يوفر لها مساحة للتلقي عن بعد ، ففي زمن كورونا الوجود هو البعد ، والموجود هو البعيد ، والقرب هو الفناء والقريب هو المعدوم، والتعليم عن بعد وبعد المعلم مطلوب .إن ظاهرة بهذا الحجم لا يمكن أن تمر دون تأمل ودراسة ولوعن بعد ، لابد أن دروسا عدة يمكن استخلاصها ومنها ما نريد تلخيصه في ما يلي :

قبل أن نسترسل في الموضوع لن يفوتني أن أنبه إلى حجم التقارب بين المفاهيم الواردة في العنوان ،وربما التكرار المبدئي الذي سيتبادر إلى ذهن القارئ الكريم عندما يقرأ عنوانا يضم ثلاث مفاهيم مترادفة كل منها يدل على الآخر ويعنيه أو يعبر عنه ، فخير مايمكن أن نختصر فيه مفهوم الدين هو القرآن ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها : القرآن رديف للأخلاق “كان خلقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرآن” ، والإنسانية مرادفة للرحمة والرفق ، والله سبحانه تعالي أرفق بعبده من الأم بولدها ، وقد جسد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الرفق بأمته في أكثر من مقام ، أذكر على سبيل الحصر ، خوفه صلى الله عليه وسلم من أن يشق على أمته لما لم يأمرهم بالسواك قبل كل صلاة . فهذه المفاهيم متقاربة جدا إن لم أقل مترادفة تماما ، لكن حسبنا في هذا التحليل أن نجد وجها لكل منها نركز عليه دون بقية الأوجه الأخرى لا على سبيل تخريج فتنقيح فتحقيق المناط ، بل على سبيل الحجر الاحترازي والعزل القسري كما علمنا كورونا هذه الأيام ، حفظنا الله وإياكم منه وأبعده عن الأمة الإسلامية وعن العالم أجمع مكتفيا بما سبق أن حصد من أرواح ، وما هدم من اقتصاد وما ضيع من وقت .

الدرس الديني: كورونا دواء لداء الغفلة وليس داء يستعصى دواءه

إن ظهور فيروس كورونا في صين وهي من أعظم دول العالم قوة وكثرة ونظافة وتقدما ، وعدم اكتشاف أي دواء له وعدم القدرة علي احتوائه إلا بأساليب بدائية جدا (العزل)، يدل دلالة واضحة علي أن قدرة الله سبحانه تعالى لايعجزها ولا يماثلها شيء وأن الحيطة والحذر والخوف من الأمراض والأوبئة يعني الإقرار ضمنيا بأن قدرة الله تعالى فوق قدرة الإنسان وتحيط بكل شيء ، وتدبر كل أمر من قبل ومن بعد ، وهذا الدرس أصبح واضحا جدا لغير المسلمين ، لما سلموا بالضعف والعجز وتركوا الأمر للسماء ، عند انتشار وباء كورونا ،ولبداهته عند المسلمين أصبح متجاوزا في الوقت الذي يستفيق الظالم منهم علي الإذعان والخوف من الخالق سبحانه تعالي ، ومن قبل كان يقتل النفس التي حرم الله .. ويسرق ويزني ويكذب ويأكل الربا ويفعل المبيقات وهو يعلم أن الله يراه وأنه قادر علي أن يأخذه في تلك اللحظة بذنبه وجرمه الذي فعل أو فكر في فعله والله مطلع عليه إذ لا تخفي عليه خافية ، فعند انتشار هذا الوباء تتسارع نبضات قلب كل مذنب وكلنا مذنبون ـ لكن الذين قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة ، نبض قلوبهم أشد تسارعا ، فهم الذين يظنون أنهم اليوم أكثر الناس التجاء إلى الله ، والآخرون عندما يتذكرون أن علة خلقهم هي عبادة الله تعالي يظنون أنهم هم أشد الناس التجاء إلى الله ، فسرعة انتشار هذا الوباء وخطورته هو في حد ذاته دواء حقيقي لداء أشد فتكا وهو داء الغفلة ، فالعالم العابد يخشي أن يأخذه فيروس كورونا عقابا له من الله علي غفلته عن عبادة الله حق عبادته ، والمذنب العاصي و الطاغية الذي يتلذذ بقهر المظلومين ويعتز بقوته ، الآن يخشي الله ويخاف أن يأخذه فيروس كورونا وهو ظالم لنفسه .

إن الالتجاء إلى الله وخشيته والخوف من عقابه ـ قد أسمع ساكني مدينة غرناطة الأذان مرفوعا لرفع البلاء بعد افتقاده عدة قرون خلت والدعوات في كل بلاد المسلمين متكررة من على منابر المساجد والشوارع ،بالصدقة والدعاء ـ إنه هو الدرس الديني الذي يتلقاه اليوم جميع البشر، وإن الغفلة وعدم الاعتناء بأوامره سبحانه تعالي وعدم الامتناع عن نواهيه هي موضوع ذلك الدرس الذي جاء كورونا ليسطره بأحرف من الخوف والفزع، وهو الدرس الموجه للمسلمين خاصة ومفاده أن كورونا لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ففي انتشاره بهذه الدرجة المرعبة دواء لداء الغفلة وميتة القلوب ، وفي شدة الحذر منه ودفعه بكل الوسائل وبشتي الطرق :الأمل في أن يمنحنا الله فرصة أخرى للتوبة والإقلاع عن الذنب ، فنتذكر كل مرة نحاول اقتراف أي ذنب أو عند وسوسة الشيطان لنا بأننا أقوياء نستطيع قهر الضعيف المسكين وجعله في حجر دائم وحصار مستمر يمنعه من كسب العلاقات الطيبة ، وحتى من كسب المال ولو بطريق شرعي ولو كان قليلا ليسد به أوده .

كلما أردنا ذلك علينا أن نتذكر بأن جنود الله كثيرة ومنها ما هو أشد وأسرع وأقرب إلي الناس من فيروس كورونا ، ونتذكر أن الله يمهل ولا يهمل ، ونتذكر بأن معالجة الذنب ليست بمضاعفته ـ فارتكاب أخف الضررين يقتضي التأكد من وجودهما فعلا . فالظن ولو كان غالبا لا محل له في هذا المجال ” إن الظن لايغني من الحق شيئا “صدق الله العظيم ـ وعلينا أن نتذكر وأن نمتثل وأن نتوب توبة نصوحة، ولا نكون كالذين قالوا ” لإن ان جيتنا من هذه …” الآية .

الدرس الأخلاقي: الإجماع على الاحتراز من نقل العدوي

إن ظاهرة سرعة انتشار فيروس كورونا بين البشر ، وعدم القدرة علي الحد منها إلا بالحجر الاحترازي التام ، جعل كل فرد في كل مجتمع يتحمل مسؤولية حماية نفسه وحماية أقاربه وأهله والمجتمع كله ، وجعله ينهض بمهمة محاصرة الوباء حتى في حدود نفسه ، لأن تعمد العدوي به كالرمية التي لا يعرف صاحبها من تقع عليه فتصيبه بأذى ، فمن ينقل عدوي كورونا سيجد في ظرف وجيز أن أحبته قد أصابتهم العدوى عندما ينتشر في المجتمع كله ، لذلك توجب أن يتحلى كل مواطن بالمسؤولية الأخلاقية التي تفرض أن لا يسبب لأي كان ممن يلقاهم أذى الإصابة بهذا المرض ، و أن يحترس لا استعلاء وغرورا بل تحفظا وخمولا ، وفي المقابل يقبل المصاب بكل أريحية الحجر والامتناع عن لقاء أي أحد والاحتراس من أن ينقل العدوى دون أن يحس بالنقص ولا أن يضجر من الحجر بل يسعى بنفسه أليه ويطلبه لنفسه في حالتي الاتهام والتحقق .

الكل في زمن وباء كورونا ينهض بمسؤولية أخلاقية كبري، فالدرس الأخلاقي المستخلص من انتشار وباء كورونا هو شمولية الفعل، فكلمة ” الكل” في هذا السياق تفيد عموم الامتثال والالتزام بهذا الحجر دون تمييز بين قوي وضعيف، ولا بين غني وفقير، ولا بين رئيس ومرؤوس إنه المبدأ الشامل والشرط الأساس الذي يضفي حسب “آمانوائل كانط ” صفة الأخلاقية على الفعل، فالكل يحجر على نفسه ويتفهم حجر الآخر دونه. وهذا الدرس الأخلاقي يمكن القول بأن وباء كورونا قد انفرد به حتى الآن لشدة انتشار عدواه

الدرس الإنساني: القلب يعتصر ألما ، والتعاون .. هو الأمل

اللهفة الآن لدى كل فرد أشد وأكثر من أي وقت آخر لسماع ما يحدث في العالم جراء انتشار وباء كورونا ، وكل الناس تتمنى في كل لحظة سماع خبر يفيد أن البلدة الأشد تأثرا به قد انحسر فيها وأنه لم تسجل فيها أي إصابة منذ أيام ، وأن المصابين به يتماثلون للشفاء ولا ينساقون للفناء ،وكم يتمني كل إنسان الآن في أي بلد من بلدان العالم ، سماع خبر مفرح مفاده أنه منذ أربعة أيام ـ مثلا ـ لم تسجل حالة جديدة في أي بلد من العالم .

إنها الإنسانية الضاربة في العمق لا يحدها دين ولا عرق ، لكنها قد تزداد بأحدهما ،تلك هي حال كل فرد ربما لأنه يشعر بأن خروجه من البيت مرهون بانحسار المرض في العالم ، لكن لا ينقص ذلك الشعور مقدار هذه الإنسانية ، وإن كان من ضمن أسبابها ، والعالم يأمل أن يقضي على المرض بالتعاون بين الدول ، فالصور والأخبار القادمة من إيران ومن الصين أول الأمر ومن إيطاليا وفرنسا ، وإسبانيا وحتى أمريكا ومن كل المجتمعات والدول الأكثر تضررا ، تبعث على الشفقة ، فيجد المرء في نفسه حسرة وألما على ما حصل ويتمنى لو أن هذه الدول تعافت تماما من هذا المرض ، ذلك شأن النظام الدولي ، فأمريكا تتألم لما حصل في إيران وتتعهد بتقديم العون والمساعدة ، والدول المتجاورة تشدد الرقابة على الحدود المشتركة لمنع انتشار الفيروس ، فكل دولة تضع نفسها في حجر دون الإصابة المحتمل قدومها من الجارة وفي نفس الوقت تحذر من أن تتسبب لجارتها في انتشار الفيروس ذلك هو حال الدول الآن لم يؤثر فيه سوء التفاهم أو توتر العلاقة ، إنها الإنسانية في أبهى حللها يفرضها فيروس كورونا .

كلنا يريد ارتفاع هذا الداء والقضاء عليه نهائيا ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه مع ذلك هو هل سينسى الناس خطورة الذنب والخوف من عقاب الله ؟ هل سينسون قدرة الله وعلمه بما يكيدون ويدبرون مما حرم ، وشدد على حرمته ،وهل سينسون جميل الأخلاق وحلاوة الإنسانية فيعودون إلى الحقد والكراهية والجبروت والطغيان ؟ ماذا سيبقى بعد كورونا من هذه الدروس الجامعة ؟. أملنا كبير في أن يرتفع البلاء عن البشرية وأن يتعافي كل المصابين ،وأن تصقل موجة هذا الوباء معدن الإنسانية ، والرحمة ،والرفق في قلوب الأوصياء …

يرجى الإعجاب والمشاركة :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *